القرطبي

236

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فشل وفشل . وجواب " حتى " محذوف ، أي حتى إذا فشلتم امتحنتم . ومثل هذا جائز كقوله : " فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء " [ الانعام : 35 ] ( 1 ) فافعل . وقال الفراء : جواب " حتى " ، " وتنازعتم " والواو مقحمة زائدة ، كقوله " فلما أسلما وتله للجبين . وناديناه " [ الصافات : 103 - 104 ] ( 2 ) أي ناديناه . وقال أمرؤ القيس : * فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * أي انتحى . وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو من " وعصيتم " . أي حتى إذا فشلتم وتنازعتم عصيتم . وعلى هذا فيه تقديم وتأخير ، أي حتى إذا تنازعتم وعصيتم وفشلتم . وقال أبو علي : يجوز أن يكون الجواب " صرفكم عنهم " ، " ثم " زائدة ، والتقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم . وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قوله الشاعر أراني إذا ما بت على هوى * فثم إذا أصبحت أصبحت عاديا وجوز الأخفش أن تكون زائدة ، كما في قوله تعالى : " حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم " [ التوبة : 118 ] ( 3 ) . وقيل : " حتى " بمعنى " إلى " وحينئذ لا جواب له ، أي صدقكم الله وعده إلى أن فشلتم ، أي كان ذلك الوعد بشرط الثبات . ومعنى ( تنازعتم ) اختلفتم ، يعني الرماة حين قال بعضهم لبعض : نلحق الغنائم . وقال بعضهم : بل نثبت في مكاننا الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه . ( وعصيتم ) أي خالفتم أمر الرسول في الثبوت . ( من بعد ما أراكم ما تحبون ) يعني من الغلبة التي كانت للمسلمين يوم أحد أول أمرهم ، وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين على ما تقدم ، وذلك أنه لما صرع انتشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصاروا كتائب متفرقة فحاسوا ( 4 ) العدو ضربا حتى أجهضوهم ( 5 ) عن أثقالهم . وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مغلوبة ( 6 ) ، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلا . فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله عز وجل قد فتح لإخوانهم قالوا : والله ما نجلس

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 417 . ( 2 ) راجع ج 15 ص 99 . ( 3 ) راجع ج 8 ص 281 . ( 4 ) الحووس : شدة الاختلاط ومداركة الضرب . أي بالغوا النكاية فيهم ، في ه‍ ود : جاسوا . ( 5 ) أي نحوهم عنها وأزالوهم . ( 6 ) في د : مفلولة .